اخر الاخبار
404
نعتذر , لا نستطيع ايجاد الصفحة المطلوبة

قرار الجمعية العمومية لن يؤثر على سير العملية العسكرية

من الواضح أن الدول العربية قد وقعت تحت تأثير الحملة الإعلامية الشرسة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ودول "الناتو" ضد روسيا إلى جانب ضغوطات أخرى متوقعة.

لقد تم التمهيد لعملية التصويت بنجاح منقطع النظير، باستخدام العصا هذه المرة لا الجزرة، فالعقوبات المفروضة على روسيا منذ 2014 يعرفها القاصي والداني، والكل يعرف جيداً مصير إيران وكوريا الشمالية، وغيرها من القوى "المنبوذة" من القطب الذي يصرّ على أنه القطب الأوحد ويحكم العالم بأدوات/مؤسسات دولية يفترض فيها الحياد، إلا أنها وكما رأينا خلال الأيام القليلة الماضية، وكما فضحتها روسيا الآن، ليست سوى أدوات طيّعة في يد الولايات المتحدة الأمريكية. بل إن الرياضة والفنون، التي كانوا يؤكدون لنا ليل نهار أنها منفصلة مستقلّة وبعيدة كل البعد عن السياسة، دخلت إلى حيز المعركة، فأزيحت روسيا من جميع المسابقات والفعاليات الرياضية الدولية، ومُنع الفنانون الروس من أداء حفلات في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، بل وذهب الأمر إلى "تحريم" تدريس ديستويفسكي، وربما الاستماع إلى تشايكوفسكي.

أقول إن العقوبات هي ما لوحت بها الولايات المتحدة الأمريكية هذه المرة، لتغيّر من موقف البعض بعد التصويت في مجلس الأمن بالحياد، وتؤكد على تصويت الآخرين بالموافقة ولا شيء سوى الموافقة. وعادت تلك الأجواء لتذكّرنا بنبرة جورج بوش الإبن، في حملته "الصليبية"Crusade  (هكذا قالها وقتها، ثم عدل عن التعبير، لمن لا يذكر) على الإرهاب في 2001، حينما قالها صراحة: "من ليس معنا فهو ضدنا". هذه المرة تقول الولايات المتحدة الأمريكية للجميع: الحياد مرفوض.

مع ذلك فقد تمكنت بعض الدول العربية وغيرها من دول المنطقة الوقوف أمام التهديدات الأمريكية، والتزمت بالبيان المتّزن الذي أصدرته جامعة الدول العربية، منذ أيام، خلال انعقاد دورتها غير العادية لمجلس الجامعة على مستوى المندوبين بمقر الجامعة في القاهرة برئاسة دولة الكويت، وبطلب من جمهورية مصر العربية.

لقد تصورنا أن تلتزم جميع أو معظم الدول الموقعة على ذلك البيان المعتدل للجامعة بما جاء في البيان، وأن تتصدى للضغوطات الأمريكية على بعض الدول العربية لاتخاذ مواقف وإصدار بيانات شجب ضد روسيا، أسوة بما حدث في لبنان وليبيا، كما توهمنا فرضية أن الدول العربية ستتبع سياسة النأي بالنفس عن هذا الصراع الدولي العنيف، الذي تعيد فيه الولايات المتحدة الأمريكية ماضي حروبها بالوكالة. فلا ناقة لنا ولا جمل في الاصطفاف وراء أي من الأطراف، ناهيك عن أن المنطقة العربية دون مناطق العالم أجمع، تدرك جيداً ازدواجية المعايير الغربية، وترى أمام عينيها ما حدث ويحدث في القضية الفلسطينية على مدار عقود طويلة، لم يتمكن فيها مجلس الأمن من استصدار قرار واحد يدين الاعتداءات الإسرائيلية والاحتلال الإسرائيلي.

يعرف العرب قبل أي أحد على كوكب الأرض مهارات الغرب في ليّ الحقائق، وقلب الموازين رأساً على عقب، وتدشين الحملات الإعلامية، وشيطنة الأطراف المعادية، ونذكر جميعاً تعبيرات "الجهاد ضد الإلحاد" و"محور الشر" و"أسلحة الدمار الشامل لدى صدام حسين" وغيرها من مئات الحملات التي عاثت في أرضنا فساداً وعربدة وتدميراً وقتلاً، ثم يتضح في نهاية المطاف أن أحدهم تلقى بيانات غير دقيقة، أو أخطأ آخر في التقدير، فيقدم السياسيون اعتذاراتهم دون محاكمة أو حتى مؤاخذة إلا من صحيفة هنا أو صوت إعلامي هناك. وماذا عن القتلى والجرحى والشعوب المهجّرة والمدن المدمّرة؟

يرد علينا الإعلاميون والصحفيون في حملتهم الغربية الأخيرة بكل وضوح: "إن أوكرانيا ليست كأي منطقة أخرى في العالم كإفريقيا أو الشرق الأوسط". يقولون بكل صراحة إن لاجئيهم مختلفون عن لاجئينا، وشعوبهم مختلفة عن شعوبنا، وعرقهم (فيما يتضح ويبدو) أرقى من عرقنا. لهذا إذن، لا تدخر الولايات المتحدة الأمريكية وسعاً من قصف للمدنيين والمدن، ولا تدخر إسرائيل في أسلحتها وعتادها لتبيد "هؤلاء" الذين ليسوا مثل أوكرانيا، وليسوا مثل الشعب الأوكراني.

إن أحداً لم يطالب بالاصطفاف خلف روسيا، والتصفيق لعمليتها العسكرية، بل كل ما كنا ننتظره الحياد والنأي بالنفس لا أكثر، والالتزام بما دعا إليه بيان الجامعة العربية من تأييد لجميع الجهود الرامية لحل الأزمة من خلال الحوار والدبلوماسية، والتأكيد على أهمية احترام مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، والاكتفاء بتشكيل مجموعة اتصال عربية على المستوى الوزاري، تتولى متابعة وإجراء المشاورات والاتصالات اللازمة مع الأطراف المعنية، بهدف المساهمة في إيجاد حل دبلوماسي للأزمة، وفقاً لنص البيان.

أما تلك الجوقة الجماعية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والحفل الراقص بعدها، احتفالاً بانتصار الإجماع الدولي ضد "العدوان الروسي"، فذلك يعني أمراً واحداً، وهو أن مناطق أخرى في العالم، ممن التزموا الحياد، لا زالوا، وهم كثر، يؤمنون بعالم متوازن، متعدد القطبية، ويعتقدون بأن السلام والأمن الدوليين لا يمكن أن يتحققا سوى بنظام عالمي جديد تتمتع فيه كل الدول بالمساواة، ولا تحظى فيه بعض الدول أو التكتلات باستثنائية وتفوق على البعض الآخر، ولا تهدد فيه الدول دولاً أخرى بالعقوبات والحصار والعزلة لفرض إرادتها عليها، بينما لا تزال أغلبية مناطق العالم، وعلى رأسها منطقتنا، إلا من رحم ربّي، ترزح تحت وطأة الهيمنة الغربية بالكامل، دون أن يكون لها الحد الأدنى من القدرة حتى على الحياد، ولا أقول على المواجهة.

هذا ما صرنا إليه، نتبارى في الدفاع عمن يعترف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، ويدعو يهود العالم للاصطفاف معه، ونتسابق في الدفاع عن حقوق الإنسان، بأشد العبارات، حينما يخص الأمر حقوق ومصالح السيد الأبيض الأمريكي، أما حينما يخص الأمر شقيقنا العربي على اتساع وامتداد الوطن العربي، فتلك أمور يمكن مناقشتها والجدال أو الاتفاق بشأنها وإيجاد صيغ وعبارات مطاطة يمكن أن ترضي الجميع.

فيما يتعلق بما أسماه البعض "هجوماً" و"غزواً"، وذهب البعض الآخر إلى حد وصفه بـ "الاحتلال"، أقول إن روسيا لم ولن تشن حرباً ضد أوكرانيا، بل تقوم بعملية عسكرية واضحة المعالم ومحددة الأهداف لنزع السلاح ومكافحة النازية، سعياً لضمان الأمن القومي للدولة الروسية والشعب الروسي والأوكراني أيضاً، لا سيما بعد تصريح الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، برغبته في عودة الوضع النووي لأوكرانيا، وسعيه الحثيث للدخول في حلف "الناتو"، وهو ما تراه روسيا خطاً أحمر يستحيل التغاضي عنه.

تسعى روسيا لنزع سلاح المتطرفين الأوكرانيين من التنظيمات اليمينية المتطرفة التي استولت على الحكم في العام 2014، وعاثت في البلاد فساداً، ووضعت الحكومة الحالية تحت سيطرتها بالكامل، وتأتمر بأوامر الولايات المتحدة الأمريكية، التي دقت مسماراً أخيراً في نعش الدولة الأوكرانية داخل الحدود التي كانت تشغلها من قبل.

تهدف العملية العسكرية الروسية إلى نزع فتيل النازية الجديدة التي استمرت زهاء ثمان سنوات طويلة تستهدف المواطنين الأوكرانيين الناطقين باللغة الروسية في شرق وجنوب البلاد، وبخاصة في الجمهوريتين المعترف بهما الآن من جانب روسيا، دونيتسك ولوغانسك، واللتان ظلتا تتوسطان لدى الرئيس الروسي والقيادة الروسية بشتى الطرق للاعتراف بهما كجمهوريتين مستقلتين، إلا أن إجابة القيادة الروسية كانت دائماً بالنفي، حفاظاً على وحدة أراضي أوكرانيا، وسيادتها على أراضيها.

لقد حاولت روسيا بشتى الطرق والوسائل من خلال وسطاء، ومن خلال اللجوء للدول الأوروبية وللولايات المتحدة الأمريكية للضغط على النظام الأوكراني لتنفيذ اتفاقيات مينسك، إلا أن كل تلك الجهود باءت بالفشل، وتسببت الحرب التي استمرت لثمان سنوات على جمهوريتي إقليم الدونباس في مقتل ما يقرب من 15 ألف مواطن، من بينهم مواطنين روس. ناهيك عن الدمار والإرهاب الذي كانت تعيش فيه شعوب هذه المنطقة.

لكن الهدف الاستراتيجي للعملية العسكرية في أوكرانيا هو أبعد من ذلك بكثير، حيث تسعى روسيا لتدمير كل البنى التحتية العسكرية لقواعد "الناتو" المنتظرة، والتي أنشأها النظام الحالي بمساعدة الحلف، والذي شارك في العام الماضي وحده في أكثر من 10 مناورات مشتركة له على الأراضي الأوكرانية، وكانت تلك المناورات تضع هدفاً لها رفع الكفاءة العسكرية لـ "الناتو" ضد روسيا، التي يصنفها الحلف في وثائقه رسمياً بـ "العدو". أما الهدف الأبعد للعملية العسكرية فهو إجبار أوروبا الغربية والشرقية على توقيع اتفاق بعدم تمدد "الناتو" شرقاً، بعد أن فشلت كافة الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى ذلك.

لهذا أكرر أن تلك عملية عسكرية وليست عدواناً أو غزواً أو حرباً، ولا تستهدف تلك العملية أي احتلال لأراضي أوكرانيا الدولة الشقيقة والشعب الشقيق، وإنما هي حرب تخوضها روسيا ضد الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين الذين يخوضون حرباً بالوكالة، باستخدام واستغلال أوكرانيا أرضاً ودولةً وشعباً مع الأسف الشديد.

والسبب الوحيد في تأخر الحسم في هذه المعركة يعود فقط لتفادي الجيش الروسي لوقوع ضحايا مدنية، ومحاولة تجنب تدمير المدن كما فعل "الناتو" في يوغوسلافيا (1999)، وفي أفغانستان (2001)، وفي العراق (2003)، وليبيا (2011) وغيرها من الدول التي كان "الناتو" يقصف مدنها وأهلها قصفاً بالصواريخ، دون أن يعبأ بالتكلفة البشرية على الإطلاق.

لهذا أوضح لمن لا يدرك ربما من الدول التي صوتت لصالح القرار، أو لمن يظن، بسذاجة مفرطة، أن دولة عظمى نووية مثل روسيا، يمكن أن تقوم بعملية عسكرية "لاحتلال" أراضي دولة مجاورة، و"الهجوم" على شعب شقيق، أن تلك هي حرب بالوكالة كانت تخوضها أوكرانيا ضد روسيا ومصالحها الإقليمية وضد أمن وأمان الشعب الروسي زهاء ثمان سنوات، صبرنا فيها وتحملنا فوق قدرة احتمال أي من الدول التي تتشدق اليوم بحقوق الإنسان، وآن أوان إنهاء هذه الحرب التي طالت أكثر من اللازم.

ولا أظن أن روسيا يمكن أن تقدم على مثل هذه العملية العسكرية دون وضع كل التوقعات التي يمكن أن تواجهها إعلامياً واقتصادياً وعسكرياً وحتى اجتماعياً، بما في ذلك القرارات، غير الملزمة، للجمعية العمومية للأمم المتحدة، كما نعرف نحن العرب جيداً. ولا أعتقد أن روسيا ستولي تلك القرارات اهتماماً يذكر، تماماً كما لا تولي إسرائيل أو الولايات المتحدة الأمريكية أي أهمية لقرارات الجمعية العمومية بشأن فلسطين أو العراق أو إيران على سبيل المثال لا الحصر. لذلك أطمئن الجميع أن هذه العملية حتماً لن تتوقف قبل أن تحقق روسيا كل الأهداف التي لجأت من أجلها لهذا الخيار الصعب للغاية.

روسيا في الوقت نفسه منفتحة على الحوار، وشتى المبادرات من جميع الأطراف لوقف حمام الدم، الذي تقوم به التنظيمات المتطرفة في الداخل الأوكراني، وتكتيك الأرض المحروقة، وحرب العصابات، على أن تتحاور روسيا بالمنطق والعقل واستناداً للوضع الراهن على الأرض وليس بطرح مطالب وهمية تستند إلى واقع مضى، واتفاقيات أحرقها التعنت الأوكراني بإيعاز من واشنطن.

إن العملية الروسية تسير بالجدول الزمني المخطط لها على جميع الجبهات، لكن ما يؤخرها قد يكون تجاوز الصعوبات الناجمة عن استخدام المتطرفين للمدنيين كدروع بشرية، واختبائهم داخل بعض الأحياء السكنية، لهذا تسعى القوات الروسية إلى عدم تعريض السكان للخطر. أما ما ورد في شريط الأنباء عن رغبة بلغاريا في تقديم طائرات عسكرية سوفيتية الصنع للطيارين الأوكرانيين، سيتم إرسالها إلى بولندا، فهذا أمر غير وارد الحدوث، لأن "الناتو" سيحاول، قدر استطاعته، تجنب التورط في أي احتكاك أو صدام مع روسيا.

الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر

المقالة تعبر فقط عن رأي الكاتب




تقليم أظافر أوكرانيا ومخالب الناتو.. عملية عسكرية وليست حربا

مقال للكاتب والمحلل السياسي الروسي رامي الشاعر حول الازمة الروسية- الأوكرانية والاسباب التي ادت الى اتخاذ قرار التدخل العسكري للتصدي لما اعتبر مؤامرة هددت الأمن القومي الروسي جاء فيه. خلال جلسة مجلس الأمن الدولي يوم أمس الجمعة أعلن مندوب روسيا، فاسيلي نيبينزيا، أن روسيا سوف تنجز مهامها في أوكرانيا قريباً، ونفى قصف الجيش الروسي لمدن أوكرانية. 

وكانت روسيا قد صوتت ضد مشروع القرار حول عمليتها العسكرية في أوكرانيا نظراً لـ"طابعه المعادي لروسيا"، حيث علّق نيبينزيا بأن مشروع القرار يتجاهل أحداث استيلاء "القوميين المتطرفين على السلطة في أوكرانيا" عام 2014، والجرائم التي ارتكبوها والدعم الغربي لها. مضيفاً أن الغرب جعل من أوكرانيا "بيدقاً في لعبته الجيوسياسي".

لقد أكد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في خطابه المطول والمفصّل حول الاعتراف بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، في 21 فبراير الجاري، على طبيعة العلاقة الحميمة بين الشعبين الروسي والأوكراني، فأوكرانيا ليست مجرد دولة مجاورة، وإنما هي "جزء لا يتجزّأ من تاريخنا وثقافتنا وعالمنا الروحي" وفقاً لبوتين. وتابع: "هؤلاء هم رفاقنا وأقاربنا، ومن بينهم ليس فقط الزملاء والأصدقاء ولكن أيضاً الأقارب، ومن تصلنا بهم صلات الرحم والقربى".

لطالما حذرت روسيا على مدار ثمان سنوات طويلة مجحفة، عانى فيها سكان إقليم الدونباس ويلات الحرب والدمار والشعور المستمر بالخطر الداهم الذي ينتظر على قارعة الطريق. فالعصابات الأوكرانية المتطرفة، وفي أحيان كثيرة بدعم من الجيش الأوكراني النظامي، لم تكن تفرق بين أهداف عسكرية وأخرى مدنية، ووقع في تلك السنوات عشرات ومئات القتلى من الأطفال والنساء، وقصفت المشافي والمدارس وحضانات الأطفال.

وطوال تلك المدة، حاولت روسيا جاهدة أن ترأب الصدع بين مكونات المجتمع الأوكراني، التي شرخها انقلاب عام 2014، فانشق عن البلاد جزئها الشرقي والجنوبي، ممثلاً جبهة صلبة لمعارضة النظام في كييف، فلم يكن من كييف إلا أن لجأت لحلول عسكرية عنيفة، أثبتت فشلها، ثم لجأت العصابات المتطرفة إلى الاغتيالات والأعمال الإرهابية، ثم لجأت الحكومة إلى سياسة الحصار والتجويع وقطع المعونات الإنسانية  عن مواطنيها في الشرق والجنوب، لتصبح تلك المنطقة المتاخمة للحدود الروسية "عضواً منبوذاً" في الجسد الأوكراني، تحاول كييف ضمه بالقوة، بينما لسان حالها يدفع نحو بتره.

وعلى مدار السنوات الثمان، وبكل الطرق المشروعة، استمرت توسلات تلك المنطقة لاعتراف روسيا باستقلال هذه الجمهوريات، إلا أن روسيا أصرّت على موقفها الذي يحترم القانون الدولي، ويلتزم بعلاقات حسن الجوار مع الشقيقة أوكرانيا، فكانت النتيجة اتفاقيات مينسك، التي حاولت روسيا وفرنسا وألمانيا من خلال منظمة الأمن والتعاون الأوروبي أن توقف حمام الدم بين الأخوة، وأن تدفع كييف نحو الالتزام بتلك الاتفاقيات التي تحفظ حق جميع الأطراف، وتؤمن لأوكرانيا وحدتها وسيادتها على أراضيها. لكن أوكرانيا، بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، كانت تصرّ على خرق الاتفاقيات، وعلى تفضيلاتها لأن تكون مثلما جاء في تصريحات مندوب روسيا في الأمم المتحدة "بيدقاً في لعبة الغرب الجيوسياسي".

لكن الأمر، مع شديد الأسف، لم يتوقف عند هذا الحد، وبدأت مخالب أوكرانيا تنمو رويداً رويداً، حتى جاء خطاب الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، في مؤتمر ميونيخ للأمن، ليكون القشة التي قصمت ظهر البعير، ولتضع أوكرانيا كل شيء على الطاولة، وتطالب حلف "الناتو" بالانضمام في أسرع وقت ممكن، وتلوّح بالخروج من مذكرة بودابست، واستعادة "الوضع النووي" لكييف، وهو الأمر الذي تحدث عنه الرئيس الروسي في خطابه بقوله إن ذلك ليس مجرد "تبجح فارغ"، وإنما هو تهديد حقيقي، لأن أوكرانيا بالفعل تمتلك تقنيات نووية سوفيتية، ووسائل لإيصال مثل هذه الأسلحة، بما في ذلك الطيران، وكذلك صواريخ "توتشكا-يو" العملياتية والتكتيكية، ذات التصميم السوفيتي، والتي يبلغ مداها أكثر من 100 كيلومتر، وتلك مسألة وقت لا أكثر.

وتابع بوتين في خطابه: "سيكون من الأسهل على أوكرانيا امتلاك أسلحة نووية تكتيكية، لا سيما في حالة الدعم التكنولوجي من الخارج، ويجب ألا نستبعد ذلك أيضاً. إن الوضع في العالم وفي أوروبا، وخاصة بالنسبة لنا في روسيا، سوف يتغيّر بالطريقة الأكثر جذرية، مع ظهور أسلحة الدمار الشامل في أوكرانيا. فلا يمكننا الفشل في الرد على هذا الخطر الحقيقي، خاصة وأكرر، أن الرعاة الغربيين يمكن أن يساهموا في ظهور مثل هذه الأسلحة في أوكرانيا من أجل خلق تهديد آخر لبلادنا".

إن الأسلحة التي وصلت إلى أوكرانيا في السنوات والأشهر الأخيرة جعلت من أوكرانيا برميل بارود قابل للتفجير في أي لحظة، والذي ستكون روسيا وأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية الوجودية أول المتضررين منه.

وقد رأينا بكل وضوح كيف يحاول الغرب على أرض الواقع، وبكل صلف وغرور وعنجهية، أن يضرّ بالمصالح الروسية في أماكن مختلفة من المحيط الروسي خلال الأعوام السابقة، حتى أصبح ذلك التهديد يطوّق عنق روسيا ممثلاً في أوكرانيا.

لقد بدأت الولايات المتحدة الأمريكية و"الناتو" في التعرف على مسرح العمليات العسكرية المحتملة في أوكرانيا دون أن يثير ذلك حفيظة أحد، ودون أن يضع الغرب في اعتباره المصالح الأمنية الروسية بالمرة، وكان التركيز الواضح في التدريبات المنتظمة المشتركة مع أوكرانيا هو العداء لروسيا، في ظل حملة شعواء، تقودها تنظيمات يمينية متطرفة، تختلف في درجات تطرفها، وصولاً إلى الإرهاب الصريح.

وفي السنوات الأخيرة، وفقاً لبوتين، وبحجة التدريبات، كانت الوحدات العسكرية لدول "الناتو" موجودة تقريباً وبشكل دائم على أراضي أوكرانيا. بل وتم دمج نظام القيادة والتحكم للقوات الأوكرانية بالفعل مع أنظمة "الناتو"، وهو ما يعني أن قيادة القوات المسلحة الأوكرانية، وحتى الوحدات الفردية والفرعية، أصبح من الممكن القيام بها مباشرة من مقر "الناتو".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أصبحت شبكة المطارات التي تم تحديثها بمساعدة الأمريكيين في "بورسيبول" و"إيفانو-فرانكوفسك" و"تشوغويف" و"أوديسا" وغيرها قادرة على ضمان نقل الوحدات العسكرية في أقصر وقت ممكن، بينما أصبح المجال الجوي لأوكرانيا مفتوح لرحلات الطائرات الاستراتيجية والاستطلاعية الأمريكية، وغيرها من المركبات الجوية غير المأهولة التي تستخدم لمراقبة الأراضي الروسية.

كذلك صرح الرئيس الروسي بأن مركز العمليات البحرية في أوتشاكوفو، والذي بناه الأمريكيون، يجعل من الممكن ضمان تحركات سفن "الناتو"، بما في ذلك استخدامهم لأسلحة عالية الدقة ضد أسطول البحر الأسود الروسي، وبنية روسيا التحتية على طول ساحل البحر الأسود بالكامل.

وفي ظل وثائق التخطيط الاستراتيجي الأمريكية، ووجود بند ما يسمى بـ"الضربة الاستباقية" ضد أنظمة صواريخ العدو، الذي تنص عليه الوثائق الأمريكية الرسمية ووثائق "الناتو" بصفته التهديد الرئيسي لأمن أوروبا والمحيط الأطلسي، وفي ظل تمدد "الناتو" شرقاً عبر خمس موجات: في العام 1999، تم قبول بولندا وجمهورية التشيك والمجر في التحالف، في العام 2004، بلغاريا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا، في العام 2017 الجبل الأسود وفي العام 2020 مقدونيا الشمالية. وفي ظل نشر مناطق مواقع للصواريخ المضادة كجزء من المشروع الأمريكي لإنشاء نظام دفاع صاروخي متوافق ومعمم في رومانيا وبولندا، بحيث تكون منصات الإطلاق موجودة، وصالحة لاستخدامها لصوايخ توماهوك، الأنظمة الهجومية الضاربة، وليست "الدفاعية" المتسقة مع "سياسة حلف الناتو الدفاعية". وفي ظل قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتطوير الصاروخ المدمج "ستاندارد-6"، القادر على إصابة الأهداف الأرضية والسطحية، علاوة على حل مشكلات الدفاع الجوي والمضاد للصواريخ، وهو ما يشي بتوسع نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي بقدرات هجومية جديدة. وفي ظل المعلومات المتاحة، والتي تجعل كل الأسباب المنطقية لجعل دخول أوكرانيا إلى "الناتو"، والنشر اللاحق لمنشآته هناك هو أمر مفروغ منه، ومسألة وقت.

في ظل هذا كله، لا أعتقد أن أي دولة في العالم يمكن أن تقبل مثل هذه المخاطر على حدودها، خاصة في ظل نظام غير مستقر، تسيطر عليه عصابات متطرفة، تمارس القتل والاغتيال وملاحقة المعارضين وإغلاق القنوات التلفزيونية، وحجب حق بعض شعوبها عن ممارسة حياتهم وثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم المرتبطة بأصولهم العرقية والقومية، حتى يصل الأمر بقوانين البلاد، في ظل اختطافها من قبل هذا النظام، أن تصنّف مواطنيها إلى سكان "أصليين" و"غير أصليين!".

في ظل هذا كله، لا أعتقد أن ما تقوم به روسيا الآن، سوى عملية عسكرية لـ"تقليم أظافر" الشقيق، الأوكراني، التي من الممكن أن تتحول إلى "مخالب" مؤذية لحلف "الناتو" تنهش في جسد الدب الروسي، الذي جاهد طويلاً لالتزام الهدوء والصبر والحكمة ورباطة الجأش، وبذل مجهودات خارقة كي لا يتدخل في الشأن الأوكراني، وبحث عن كل المخارج الممكن لتجنب المواجهة مع "الناتو"، إلا أن الأمر قد خرج عن حدوده، وأصبح يمثل تهديداً صريحاً للأمن القومي الروسي، ومصالح البلاد الاستراتيجية، وأصبح يهدد وجود الدولة الروسية والشعب الروسي. أتمنى بكل صدق وأمل أن تنتهي العملية العسكرية في أوكرانيا، وأن نطوي صفحة الأزمة الأوكرانية، وأن تهدأ الأمور وتعود إلى مجاريها بين الأشقاء. فتلك حضارة واحدة وتاريخ واحد ومستقبل واحد نأمل أن ننعم به جميعاً.

شارك بتعليق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق