رافد جبوري
وانا اتابع الاستعدادات
للانتخابات العراقية أتذكر الدورات الانتخابية العديدة في أفغانستان التي عملنا على
تغطيتها ومتابعتها. واتذكر كيف كان المسؤولون الاميركيون والغربيون يضيقون بأي سؤال يتجاهل القوات
الأفغانية او الحكومة الأفغانية ويركز على الوجود العسكري الأميركي والدعم السياسي
من الغرب والولايات المتحدة للحكومات والقوات الأفغانية.
انهارت تلك القوات والحكومة
في أيام قليلة حتى قبل ان يكتمل الانسحاب الأميركي مما صدم الرئيس الأميركي جو بايدن
وجعله يردد بان ذلك الانهيار لم يكن متوقعا وبانه كان سبب الفوضى التي جرى فيها الانسحاب
في الأيام الأخيرة. في تبرير الانسحاب والقول بحتميته تحدث بايدن كثيرا عن مسؤولية
الأفغان في حكم بلادهم وحل مشاكلها و عن تصوره ان أفغانستان لم تكن بلد موحدا ابدا
في تاريخها (وهذا غير دقيق) وبانه ليس من شأن
اميركا ان تشارك في الحرب الاهلية في بلد اخر.
اما في العراق فقد حدث
انهيار شبيه بما حصل في أفغانستان لكنه كان جزئيا. ففي عام ٢٠١٤ شاهد العالم كله ما
جرى من انهيار للقوات العراقية وسقوط للموصل وتكريت ومدن أخرى ومناطق واسعة في الجزء
ذي الغالبية السنية غربي العراق. لكن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (د ا
ع ش) كان مقبلا برغبته على حرب عالمية مع العالم عكس حركة طالبان الان. وبين عامي
٢٠١٤ و ٢٠١٧ حاربت اميركا والتحالف الغربي
وايران والقوى العراقية الحليفة معها على جانب واحد مع القوات العراقية ضد (د ا ع ش).
لكن منذ إكتمال إزاحة التنظيم عن الأراضي تصاعد الصراع بين اميركا وايران وحلفائها.
وبدا ان ايران قد نجحت في إيصال مرشحيها المفضلين الى مواقع الرئاسات في العراق بعد
انتخابات ٢٠١٨ لكن حركة الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في تشرين ٢٠١٩ أظهرت ان الامر
اكثر تعقيدا. وكجزء من الحل قدم النظام السياسي العراقي وبدفع من مرتكزات اسناده الأساسية
فكرة الانتخابات المبكرة طريقا نحو حل الازمة الكبرى التي أدت الى اندلاع التظاهرات
الواسعة.
لكن هناك إشكالات رئيسية
في قضية الانتخابات المقبلة في العراق. فقانونها الانتخابي الذي صغر الدوائر الانتخابية
يشجع عادة الأحزاب الكبيرة لا الصغيرة. ومن المفترض ان الأحزاب التي تمثل من تظاهروا
واحتجوا او تدعي تمثيلهم هي أحزاب صغيرة. كذلك لا تبدو القضية الرئيسية في الانتخابات
واضحة. فحتى وقت قريب بدا انها ستكون مواجهة بين المقاطعين والمشاركين مما كان سيجعلها
محطة مهمة من محطات الصراع والازمة السياسية. فقد قاطعها زعيم التيار الصدري مقتدى
الصدر ثم حلفائه في الحزب الشيوعي العراقي وقاطعها النائب فائق الشيخ علي، الذي يتمتع
بشعبية بدت واضحة في أوساط معينة من المحتجين والعلمانيين، كذلك اعلن الكثير من الناشطين
الذين شاركوا في التظاهرات مقاطعتها. تحدث الصدر عن ضمانات بان تكون هناك عملية اصلاح
للنظام السياسي لكن لا يبدو ان الهدف الذي تحدث عنه أنصاره في إيصال احد أعضاء حركتهم
الى منصب رئاسة الوزراء سيتحقق.
لكن عودة الصدر عن المقاطعة
اعادت شكل الصراع الانتخابي الى تنافس بين الصدر الذي يمتلك طبعا حركة شعبية مؤيدة
ومنظمة ولها ذراع مسلح من جهة والقوى السياسية الشيعية الأخرى ذات الاذرع المسلحة من
جهة أخرى. لكن هذا الشكل سيزيد من ازمة الانتخابات ويجعل الانتخابات شبيهة بانتخابات
عام ٢٠١٨ التي قد تكون أدت الى اندلاع التظاهرات لانها شهدت اقبالا ضعيفا وكانت هناك
اتهامات بان نسبة التصويت المعلنة (٤٥٪) لم تكن صحيحة وبان هناك حالات تزوير شابت الانتخابات.
وفي النهاية تم تعيين عادل عبد المهدي الذي لم يكن مشاركا أصلا في الانتخابات كمرشح
تسوية بين الصدر والجماعات الأخرى بدعم من القيادة الدينية الشيعية.
قضية اختيار رئيس الوزراء
هي طبعا واحدة من اهم معضلات السياسة العراقية. الفائز في المنصب يحتاج بالدرجة الأساس
دعم ثلاث جهات رئيسية هي القيادة الدينية الشيعية في العراق وايران والولايات المتحدة.
لكن غالبا ما كان يتم الإطاحة بالفائر بالانتخابات،
او من يبدو فائزا، لمصلحة مرشح تسوية اخر. (المالكي – الجعفري ٢٠٠٦)، (المالكي- علاوي
٢٠١٠)، (العبادي – المالكي ٢٠١٤). وقد اختار مصطفى الكاظمي، رئيس الوزراء الانتقالي،
الراغب بالحصول على فترة رئاسية كاملة ان يقاوم تلك السوابق بأن لا يترشح للانتخابات
وقد سحب ترشح الحزب الذي كان سيتنافس باسمه مبكرا. لكن العنوان الرئيسي للانتخابات
المقبلة هو هل سيبقى الكاظمي رئيسا للوزراء ام يأتي شخص اخر.
الانتخابات نفسها ليست
مبكرة تماما فهي تعقد قبل موعدها بستة اشهر فقط. لكن كونها جاءت كجزء من فكرة حل ازمة
شعبية أبقت إصرار بعض الأطراف الأساسية على عقدها قبل موعدها. لا يبدو انها ستحل الازمة
بل ربما تؤدي الى أزمات جديدة اصغر او اكبر. ولكن الانتخابات ستؤكد لاميركا وللعالم
بان العراق ليس أفغانستان فهو قادر على اجراء الانتخابات وعلى استضافة اجتماعات الرؤساء
وان يصدر النفط ويكون جزءا من الاقتصاد العالمي. لكن من يعرف العراق جيدا ان مفتاح
استقراره او اضطرابه يعتمد على المعادلة الأميركية الإيرانية التي دخلت مرحلة جديدة
يبحث فيها بايدن عن العودة للاتفاق النووي مع ايران ولكن مع حكومة إبراهيم رئيسي المتشدد
والمرشح لتولي الزعامة العليا في المستقبل. حسابات بايدن في أفغانستان أدت الى مفاجأة
كبرى دفع ثمنها و دافع عن نفسه بالقاء اللوم على الحكومة الأفغانية السابقة وعلى سلفه
ترامب. اما حسابات بايدن في العراق فقد تكون مختلفة لكن مرحلة الانهيار في العراق قد
مرت عام ٢٠١٤ ومن المستبعد ان تعود بنفس الطريقة لكن العامل الأهم من الناحية الاستراتيجية
هو المعادلة الأميركية الإيرانية.
المقال منقول من دون تصرف من صفحة الكاتب على الفيس بوك
شارك بتعليق
